ملا محمد مهدي النراقي

93

جامع السعادات

العظيم ، ويكثر التأمل في أحوال البخلاء وفي نفرة الطبع عنهم ، حتى يعرف بنور المعرفة أن البذل خير له من الامساك في الدنيا والآخرة . ثم يكلف نفسه على البذل ومفارقة المال ، ولا يزال يفعل ذلك إلى أن يهيج رغبته في البذل ، وكلما تحركت الرغبة ينبغي أن يجتنب الخاطر الأول ولا يتوقف ، لأن الشيطان بعده الفقر ويخوفه ويوسوسه بأنواع الوساوس الصادة عن البذل . ولو كان مرض البخل مزمنا غير مندفع بما مر ، فمن معالجاته أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالجود ، فيبذل على قصد الرياء ، حتى تسمح نفسه بالبذل طمعا في الاشتهار بصفة الجود ، فيكون قد زال عن نفسه رذيلة البخل واكتسب خبث الرياء ، ولكن يتعطف بعد ذلك على الرياء ويزيله بعلاجه ، ويكون طلب الشهرة والاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال ، كما يسلى الصبي عند فطامه عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها ، لا لكون اللعب مطلوبا بذاته ، بل لينتقل من الثدي إليه ثم ينتقل عنه إلى غيره . فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلط بعضها على بعض حتى يندفع الجميع ، فتسلط الشهوة على الغضب حتى تكسر سورته بها ، ويسلط الغضب على الشهوة حتى تكسر رعونتها به . وقد جرت سنة الله بدفع المؤذيات والمهلكات بعضها ببعض ، إلى أن يندفع الجميع ، سواء كانت من الصفات المؤذية أو من الأشخاص المؤذية من الظلمة والأشرار ، ألا ترى إنه يسلط الظالمين والأشرار بعضهم على بعض إلى أن يهلك الجميع ؟ ومثال ذلك - كما قيل - : إن الميت تستحيل جميع أجزائه دودا ، ثم يأكل بعض الديدان بعضا ، إلى أن يرجع إلى اثنين قويين ، ثم لا يزالان يتقابلان ويتعارضان ، إلى أن يغلب أحدهما الآخر فيأكله ويسمن به ، ثم لا يزال يبقى وحده جائعا إلى أن يموت . فكذلك هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلط بعض على بعضها حتى يقمعها ، فيجعل الأضعف قوتا للأقوى ، إلى أن لا تبقى إلا واحدة . ثم تقع العناية بمحوها وإذابتها بالمجاهدة ، وهو منع القوت منها ، أي عدم العمل بمقتضاها ، فإنها تقتضي لا محالة آثارا ، فإذا خولفت خمدت وماتت . مثلا البخل يقتضي إمساك المال ، فإذا منع مقتضاه